
أثار امتحان مادة الكيمياء لشهادة الثانوية العامة حالة واسعة من الجدل والصدمة في أوساط الطلاب وأولياء الأمور والخبراء التربويين على حد سواء. ومع خروج الطلاب من لجان الامتحانات، تباينت الردود وتصاعدت الشكاوى حول طبيعة الأسئلة وصعوبتها، مما يضع آليات التقييم والقياس التي يتبعها المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي تحت مجهر النقد والمكاشفة الصحفية المجردة التي لا تبتغي سوى الصالح العام ومصلحة أبنائنا.
إن رصد الواقع التقييمي للامتحانات يفرض علينا مواجهة الحقائق وتفكيك الروايات الرسمية التي تحاول تصوير الامتحانات على أنها متطابقة مع النماذج الاسترشادية، ومقارنتها بالشهادات الحية من الميدان التربوي.
تفكيك لغز الأسئلة: بين التطابق الظاهري والتحوير الجذري
تتحدث الجهات المسؤولة بوزارة التربية والتعليم غالباً عن أن الأسئلة يتم استقاؤها من النماذج الرسمية المتاحة للطلاب، غير أن التدقيق الفني في بنية الامتحان يكشف عن واقع مختلف تماماً؛ فالامتحان لم يتضمن سوى عدد محدود جداً من الأسئلة المباشرة المطابقة للنماذج، في حين جاءت بقية الأسئلة معتمدة على “تحوير جذري ومعقد”.
وفي علم الكيمياء والعلوم التطبيقية، فإن تغيير مركب واحد، أو تعديل عنصر في معادلة، أو التلاعب في اتجاه التفاعل، يعني عملياً صياغة “سؤال جديد تماماً” يتطلب مهارات استثنائية ووصفات فكرية قد تتجاوز الوقت الزمني المحدد للامتحان. ومن هنا، فإن القول بأن الامتحان جاء من النماذج الرسمية لمجرد تشابه العناوين يفتقر إلى الواقعية والمصداقية التامة؛ إذ لا يمكن إغفال النصف الثاني والأهم من الحقيقة، وهو أن هذا التحوير غيّر من طبيعة القياس الفعلي، وهو ما اعتبره خبراء وموجهو المادة نوعاً من عدم الشفافية في تصدير المشهد للرأي العام.
شهادة مجردة من المصالح: أصعب امتحان منذ عشر سنوات
من أبرز الأصوات التربوية التي تعالت لتشخيص الأزمة، برزت قراءات لخبراء وموجهين أعلنوا بوضوح واستعداد تام لمحاورة ومناظرة واضعي الأسئلة بالمركز القومي للامتحانات حول فلسفة هذه التعقيدات. وتكتسب هذه الشهادات مصداقية كبرى لكونها تأتي من قامات تربوية مستقلة تماماً، لا تمارس مهنة الدروس الخصوصية، وليس لها أي مصلحة نفعية أو تجارية، بل تنطلق من دافع وطني بحت لرصد ما يمكن وصفه بـ “أصعب امتحان مادة كيمياء على مدار العقد الأخير”.
إن هذه الخلاصة الميدانية تعيدنا إلى المربع الأول حول الهدف من امتحانات الثانوية العامة: هل هو قياس الفروق الفردية بين الطلاب وفق مستويات منطقية، أم هو إدخال الطلاب وأسرهم في نفق من الضغط العصبي والنفسي عبر أسئلة تعجيزية؟
الاعتراف بالخطأ فضيلة: نحو آلية تقييم عادلة
إن المنظومة التعليمية في مصر -والتي تُعد أحد أهم ركائز بناء الإنسان- يجب أن تدار بعقلية مرنة تضع “العدالة وتكافؤ الفرص” فوق أي اعتبار. والاعتراف بوجود خلل في صياغة بعض الأسئلة أو تجاوزها للوقت والقدرات الذهنية الطبيعية لطلاب هذه المرحلة ليس عيباً، بل هو فضيلة تربوية وسياسية تستوجبها حماية السلم المجتمعي ومستقبل الطلاب.
لذا، فإننا نضم صوتنا إلى أصوات أولياء الأمور والمعلمين الشرفاء، ونطالب وزارة التربية والتعليم، واللجان الفنية المختصة بنقابة المهن التعليمية، بضرورة تشكيل لجنة محايدة لمراجعة عينة عشوائية من أوراق إجابات الطلاب للوقوف على نسب الصعوبة الحقيقية، واتخاذ قرارات فورية لضمان عدم تضرر الطلاب، سواء عبر إعادة توزيع درجات الأسئلة المعقدة أو مراعاة ذلك في نموذج التصحيح. إن حماية مقدرات الأسر المصرية والاعتناء بالجانب النفسي لطلابنا هما الركيزة الأساسية لنجاح أي مسار تنويري في هذا الوطن.
